ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
137
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
فعرفنا لنذر ما نحن فيه ، ولا تظن أني أقبل منك قولا بلا حجّة . فكتب إليه : اعلم أنا عبيد لملك رحيم بعثنا إلى حرب عدو وعرفنا أن القصد من ذلك قهره أو السلامة منه ، وكانوا جماعة فلما قربوا من الزحف صاروا ثلاثا : متحرزا طلب السلامة منه فاعتزل فاكتسب تلك الملامة وإن لم يكتسب المحمدة ، ومتهورا أقدم على غير بصيرة فخرجه العدو وقهره فاستجلب بذلك سخط ربّه ، وشجاعا أقدم على بصيرة فقاتل وأبلى واجتهد فهو الفائز ، وأنا لما وجدتني ضعيفا فرضيت بأدنى الهمّتين وأدون المنزلتين ، فكن أنت أيها الملك من أفضل الطوائف تكن أكرمهم عند اللّه ( تعالى ) ، والسّلام . وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه الذي سماه المدهش في الوعظ : خبرا روي عن عبد اللّه بن مسعود عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : بينا رجل في مملكته إذ تذكر فعلم أن ما هو فيه منقطع وأن آخره الموت ، فانساب من قصره ليلا حتى أتى ساحل البحر فجعل يضرب اللبن ويقتات بثمنه ويعبد اللّه ( عزّ وجلّ ) فبلغ ذلك ملكا كان بالقرب منه فبعث إليه رسولا يستدعيه ، فأبى أن يأتيه ، ثم بعث إليه ثانية فأبى ، فخرج قاصدا إليه فلما رآه العابد فرّ منه فتبعه الملك وهو يقول : يا عبد اللّه ، لا بأس عليك ، فلم يلتفت ، فجعل الملك يتبعه حتى لحقه فجعل يؤانسه ويحادثه حتى سكن إليه ، فقال له : ما حملك على اختيار هذه الأرض ؟ قال : وجدت راحة قلبي في مفارقة بني آدم . قال : كيف تصبر على الوحدة ؟ قال : من أنس باللّه استوحش باللّه مما سواه . قال : فما سبب خروجك من ملكك ؟ قال : ذكرت عاقبة ما أنا فيه فرأيتها تؤول إلى الزوال فأعرضت عما يفنى وأقبلت على طلب ما يبقى وفررت من بلدي إلى ربي ، فقال له الملك : ما أنت بأحق مني بالخوف من اللّه ( عزّ وجلّ ) ، وسأل اللّه ( عزّ وجلّ ) أن يميتهما في وقت واحد ، فماتا في يوم واحد ودفنا . قال عبد اللّه بن مسعود : فلو كنت بمصر لأريتكم قبريهما بالنعت الذي نعت لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . خاتمة اعلم أيها الأخ أن الناس في الدنيا أحد رجلين : إمّا راكن إليها غير متفكر في العقبى فذلك الذي ذم اللّه أمثاله بقوله ( تعالى ) : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا